ابن سبعين
41
رسائل ابن سبعين
وعن بعض المتصوفة الجهلة : إن الولاية فوق رتبة النبوة ، وأن الولي قد يبلغ حالة يسقط عنه فيها التكليف . قال الغزالي : وقتل الواحد من هؤلاء خير من قتل مائة كافر ؛ لأن ضرر أولئك أشدّ في الدين ، وليس من أولئك العالمان العارفان المحققان الوليان الكبيران المحيوي ابن العربي ، والسراج ابن الفارض وأتباعهما بحقّ خلافا لمن زلّ فيهم قدمه ، وطغى قلمه إلا أن يكون أراد بما قاله الذبّ عن اعتقاد ظواهر عباراتهم المتبادرة عند من لا يحيط باصطلاحهم انتهى . قال الشيخ عبد الغني الشامي رحمه اللّه تعالى : وأما قول الشيخ الأكبر أنه تعالى أوجد الأشياء وهو عينها فهو مبنيّ عنده على اصطلاحه في معرفة الأشياء ومعرفة الحق سبحانه وتعالى ؛ فإن الأشياء كلها عنده مجرّد تقديرات وتصويرات قائمة به تعالى الذي هو مقدّرها ومصوّرها لا مبنيّ ذلك على اصطلاح غيره من أن الأشياء كلها أعراض وأجسام مستقلة بنفسها في الوجود لها الاستناد العقلي إلى الحق تعالى بالإيجاد ؛ فإن الوجود في اصطلاح الشيخ الأكبر واحد ، وهو : الوجود الحقيقي للّه تعالى حقيقة ولغيره بطريق المجاز الذي هو استعمال الشيء في غير ما هو له ، فالأشياء كلها عنده يقال لها : موجودات بطريق المجاز ، والوجود المنسوب إليها نسبة مجازية عدم محض ، وإنما الوجود الحقيقي الذي هو مستعمل فيما هو له إنما هو وجود اللّه تعالى ، واصطلاحه هو الذي جاءت به نصوص الكتاب والسنّة ، قال اللّه سبحانه وتعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] : أي ذاته . وقال سبحانه وتعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 27 ، 26 ] : أي ذاته سبحانه وتعالى ، وذاته سبحانه وتعالى هو الوجود الحقيقي الواحد الأحد ، الحق المطلق المنزّه عن مشابهة كل شيء ، والأشياء كلها هي الهالكة الفانية في حدّ ذاتها ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان « 1 » » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد : ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل « 2 » » . والباطل خلاف الحق ، واللّه سبحانه وتعالى هو الحق ، والأشياء كلها هي الباطل ، فكل
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1166 ) ، والحكيم الترمذي في النوادر ( 4 / 104 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفا ( 2 / 171 ) بنحوه . ( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1395 ) ، ومسلم ( 4 / 1768 ) ، والترمذي ( 5 / 140 ) ، وأحمد ( 2 / 248 ) .